من الاخر الطبيب والمريض وقيمة الانسان

0
54 views

11143507_876402429085736_7996922050405182125_n

بقلم الدكتور محمد ابراهيم رشيد

لا أحد يهتم كم تعرف .. حتي يعرف كم أنت مهتم
No body cares how much you know .. till they know how much you care ..
*لقد حاول الإنسان علي مر العصور أن يضع قواعد تحكم سلوكه ومعاملاته ، لحماية نفسه، ووضع أسس للتعامل بين أفراد المجتمع ، وكذلك لكي يكون هناك “مرجع” يمكن اللجوء إليه عند الضرورة ، حماية للمجتمع من الفضوي التي قد تنشأ عندما تترك تصرفات اﻷفراد للأهواء الشخصية أو للظروف التي قد تختلف حسب الزمان والمكان ..
*ومن تلك “المراجع” أو “القوانين” كل مبادئ اﻷديان السماوية ، التي تطرقت إلي كافة مناحي الحياة ، و بالطبع منها مايرتبط بحياة اﻹنسان بوجه عام وبالطب علي وجه الخصوص.
* في عام ٢١٠٠ قبل الميلاد وضع (حمورابي) “ملك بابل” قواعد صارمة تحدد أجور الاطباء وتحمي المريض، بالإضافة إلى مجموعة من القوانين التي تراعي الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية معاً ، وأطلق عليها إسم “شريعة حمورابي”
*ولقد حددت “شريعة حمورابي” للطبيب مسؤولياته, حيث هو يكون مسؤولاً عن أي ضرر يلحق بالمريض أثناء علاجه، وبالنسبة لأجور الأطباء حرصت بنود الشريعة علي مراعاة الحالة المادية للمريض ؛ بحيث يدفع الفقير أقل مما يدفعه الغني.
*وفي العصر اليوناني؛ وضع الفيلسوف الشهير «أبقراط» قسمه الشهير ، الذي تنص عباراته علي إلتزام الطبيب – من خلال قسمه العلني- أمام هيئة من الحكماء ، بالحفاظ على حياة المريض ، وعدم التسبب بأي ضرر له -علي أقل تقدير – خلال قيامه بعلاج من يلجأ إليه .. كما نص القسم على مراقبة سلوك الطبيب في علاقته بزملائه ومرضاه ورؤساؤه ومرؤوسيه وأهل المريض ، وتحديد مسئوليته أمام مرضاه ومجتمعه.
* ومن الهام ملاحظة أن كلاً من “شريعة حمورابي” أو “قسم أبقراط” لا يزيدا عن كونهما (التزاماً أدبياً ) ؛ أي ملزم له فقط بعيداً عن جميع مواد القوانين أو الرقابة التي تحاسب المخطئ ، وتحدد بوضوح جزاء الخطأ الناشئ عن عدم الكفاية في العلم أو خلل في التطبيق أو اﻹهمال الذي قد يضر بحالة المريض الصحية أو تؤثر علي حياته.
* ويبقي اﻷمر اﻷهم في العلاقة المباشرة بين المريض والطبيب المعالج رهناً بما يطلق عليه شعور المريض ب “إهتمام” الطبيب أو مايعرف باللغة اﻹنجليزية بإسم “Care” ؛ أي مجموع مايستشعره المريض من ارتباطه بطبيبه المعالج من الناحية اﻹنسانية ؛ بدايةً من طريقة استقبال الطبيب للمريض ، و اﻹنصات لشكواه باهتمام حقيقي ، واستخدام “لغة الجسد” بذكاء يتعدي درجة “التعاطف” إلي الدرجة التي تشعر المريض باﻷمان الحقيقي في سرد مايعانيه للطبيب بصدق ، ويصل في بعض التخصصات الطبية -كالطب النفسي- إلي أن يطلع المريض طبيبه المعالج علي أدق أسرار حياته الشخصية باطمئنان شديد علي أنه سيكون في “أيد أمينة”، تماماً كما يودع اﻹنسان كل مايملك في “بنك” وهو مطمئن تماماً علي أن كل مايملك في “أمان” حقيقي.
* ولاحقاً ، جمعت الدولة الاسلامية المبادئ الأخلاقية الإسلامية بالاخلاق الطبية المأخوذة عن اليونانيين والمسيحية؛ وأهمها مبدأ مراعاة حرمة المريض ومصلحته، وحفظ الطبيب لأسرار المريض، وعدم جواز اخبار المريض بخطورة مرضاه ، وتطرقت إلي دقائق العلاقة بين الطبيب والمريض في كافة اﻷحوال ؛ مايطلق عليها بوجه عام إسم “الميثاق اﻷخلاقي في الممارسة الطبية ” أو
Ethics in medical practice
ومنها :
● اﻹلتزام اﻷخلاقي تجاه المريض وأسرته والمجتمع.
● مراعاة حفظ سرية المريض.
●اﻹلتزام بأفضل المعايير والمقاييس العلمية خلال كافة خطوات التعامل مع المريض لتجنب مايمكن من احتمالات الخطأ البشري.
● بذل أقصي الجهد لتقديم أرقي مستوي من الخدمة الصحية عن طريق الالتزام بالقيم والمبادئ اﻹنسانية الرفيعة مثل “اﻹتقان – اﻷمانة – الدقة … إلخ”..
* في مجال الطب والعلاج – كما هو في أي مجال يتعلق بالحياة – فإن هناك إنسان يلجأ ﻹنسان آخر ، طلباً للمشورة أو المساعدة أو للعلاج ..
*و في مجال العلاج ، من الطبيعي أن يقوم المريض – بالسؤال عن الطبيب المعالج ، واستشارة اﻷهل أو اﻷصدقاء ممن قام هذا – أو ذاك – الطبيب بعلاجهم ..
* ولعل من أهم مايشغل بال المريض – أو يهمه – عند اتخاذ قرار الذهاب إلي الطبيب ؛ هو “كفاءة الطبيب”، أي ..
• معلوماته العامة والعلمية ..
• مهاراته التشخيصية ..
●تمكنه من أحدث التقنيات “في حالة الجراحة.. ● خبرته في استخدام اﻷدوات المساعدة – كالآلات الجراحية واﻷجهزة الحديثة ..
● خبراته التراكمية في مجال تخصصه … إلخ..
* ومع التقدم التكنولوجي والعلمي الهائل في كافة مجالات الطب والجراحة ، ووصول “التخصص الدقيق” إلي مستويات غير مسبوقة ؛ ماجعل من العسير وجود الطبيب “الشامل” ، أي الذي يعالج كل “أو أي” مرض ..
* كذلك ؛ مع الزيادة المطردة في أعداد اﻷطباء الممارسين -علي مستوي العالم – نظراً إلي النمو البشري المتسارع ؛ أصبحت المهمة أكثر صعوبة علي المريض واﻷهل علي حد سواء ، للتفضيل بين المئات – أو اﻵلاف – من اﻷطباء الذين تشير شهاداتهم المختلفة وألقابهم إلي تخصصهم وخبراتهم المميزة وقدرتهم علي علاج المشكلات الطبية المتعلقة بتخصصهم ..
* ولعل السؤال الكبير والهام – الذي يدور ببال كل إنسان يبحث عن العلاج الصحيح والشافي لحالته- هو (كيف أصل إلي الطبيب المناسب لحالتي) ؟
* وبالرغم من صعوبة اﻹجابة التقليدية علي هذا السؤال نظراً إلي ماسبق ذكره ؛ فإن هناك بعض “النصائح العامة” التي يمكن أن يضعها المريض أمام عينيه ليصل إلي “الطبيب المناسب” ؛ وهي :
● اﻹستعلام جيداً عن الطبيب ؛ وقد وفرت التكنولوجيا الحديثة للإنسان من الوسائل مالم يكن ميسراً في الماضي ؛ مثل اﻹنترنت ووسائل التواصل اﻹجتماعي واﻹعلام ..
● الحرص علي إختيار الطبيب الذي “يشرح ” الحالة و أسلوب العلاج الذي يختاره ، والتمسك بحقه في “فهم ” كل مايتعلق بحالته – ولو بأسلوب مبسط ..
● حق المريض في اﻹتصال بحالات مماثلة لحالته قام نفس الطبيب بعلاجها مسبقاً..
● وختاماً .. الحكم اﻹنساني الصرف علي مدي “إهتمام ” الطبيب الحقيقي – غير المصطنع- بالمريض الذي يسلمه اﻷمانة الغالية علي جسده وصحته وحياته، والتي تبدأ من اللحظة
اﻷولي التي يبدأ فيها لقاء المريض مع الطبيب الذي قرر اختياره .. عملاً بالقاعدة الذهبية
(لا أحد يهتم كم تعلم .. حتي يعلم كم أنت مهتم)
“No body cares how much you know , till they know how much you Care”

لا تعليقات

اترك رد